تابعت كغيري أبعاد مؤتمر جنيف القبلي الذي نظمه مركز جنيف لحوكمة قطاع الأمن (ديكاف) التابع للحكومة السويسرية وما رافق هذا الحدث من انتقادات شعبية ونخبوية واسعة.

وتأتي هذه الردود الغاضبة نظرًا لسخونة الأوضاع التي تشهدها الساحة اليمنية بسبب التصعيدات المستمرة من قبل مليشيا الحوثي سواء عبر عدوانها الوحشي وحصارها الخانق والمستمر على محافظة تعز —ذات الكثافة السكانية في اليمن— أو من خلال استهدافها للأعيان المدنية والمرافق الحيوية بالصواريخ البالستية والطائرات المسيرة، كما حدث في الهجوم على مطار عدن الدولي، واستهداف المطارات الدولية والمنشآت الاقتصادية في المنطقة كمطار الرياض، مخلفًا العديد من القتلى ومئات الجرحى من المسافرين والأبرياء والمعتمرين.

وللوقوف على المزالق السياسية والإنسانية التي سقط فيها هذا المؤتمر يمكن الإشارة إلى ثلاث نقاط رئيسية:

1- توقيت مشبوه.. وتغافل عن هوية الجلاد

انعقد هذا المؤتمر في توقيت شديد الحساسية، متزامنًا مع ذروة التصعيد الحوثي لتخلو أدبياته ومخرجاته بشكل مريب من أي إشارة إلى الجرائم الحوثية المشهودة التي أقرها المجتمع الدولي بأسره ورغم أن مضامين المؤتمر تدثرت بالحديث عن القيم العرفية والإنسانية المتعلقة بكوارث الحروب إلا أنها تجاوزت عن الطرف المتسبب في هذه الكوارث وهي مليشيا الحوثي الإرهابية.

2- تدجين القبيلة بتهميش أدوارها

خلصت مخرجات المؤتمر إلى جوانب قد تبدو مقبولة في ظروف السلم والاستقرار لكنها في الحالة اليمنية الراهنة تعكس محاولة مفضوحة لتسليع المأساة حيث ركزت على الهوامش والتحسينات والكماليات وتجاهلت الضروريات وهي مخرجات أشبه بدور الصليب الأحمر في إسعاف الجرحى، ودفن الموتى، ونقل الجثث، والتعامل مع الأسرى، وهو سلوك مقدر للمنظمات الإغاثية المحايدة لكنه متواضع جدًا في عرف ومعهود تحالفات القبائل اليمنية التي لم تكن في تأريخها العريق تحاكي أعمال منظمات المجتمع المدني في الخدمات الجنائزية بل هي قوة اجتماعية مرتكزاتها الأساسية نصرة المظلوم وردع الظالم ومواجهة الغزاة والمعتدين وما يهدف إليه المؤتمر هو تفكيك هذه البنية الصلبة وتدجينها لتحويل القبيلة من حصن يذود عن الجمهورية ويحمي مؤسسات الدولة إلى جماعة وظيفية تقبل بالتعايش مع المليشيا وتقاسم أدوار دفن الضحايا معها!

3- البيانات الموازية كفارة سياسية

لقد تجلى الفشل النظري للمؤتمر في شعور كثير من وجهاء القوى القبلية الوطنية المشاركة بالذنب السياسي بعد أن أدركوا أنهم وقعوا ضحية الاستدراج إلى نعومة الأجواء في جنيف ومناخها الخلاب، دون وعي بالمغزى السياسي الخفي وراء هذه الفعالية، ليجدوا أنفسهم شركاء في تمرير مفردات وبنود كانت معدة ومطبوخة سلفًا في دهاليز المنظمة السويسرية، ورغم مسارعة هؤلاء الوجهاء لإصدار بيان مواز يعبر عدم رضاهم عن بنود المؤتمر، إلا أن هذا التحرك سيبقى مجرد بيان لإسقاط الواجب، وكفارة سياسية لإعذار أنفسهم والتخلص من الملامة الشعبية فالمنظمات الدولية لن تلتفت للبيان الموازي، بل ستقدم وثيقتها الرسمية الجاهزة إلى الحكومة السويسرية ومكتب المبعوث الأممي كأداة ضغط سياسي.

والخلاصة:

أن هذه المخرجات المصنوعة في الخارج بوجوه يمنية، وإن كانت توصف بأنها شعبية وغير رسمية، إلا أنها تمثل طعنة في خاصرة المقاومة الوطنية فهي تستغل في نهاية المطاف لتبييض وجه المليشيا الحوثية، وتضليل الرأي العام الأوروبي، وإرسال رسائل سياسية مغلوطة للمجتمع الدولي تزعم بأن القبائل اليمنية مستعدة للقبول بالأمر الواقع والتعايش مع القاتل، وهي صورة مشوهة لا تمثل حقيقة الواقع الجاري على الأرض، ولا تعبر عن إرادة القبيلة اليمنية الحرة التي لا ترى في الحوثي سوى عصابة متمردة وانقلابية يجب قلع أنيابها لاستعادة الدولة والكرامة.