موسكو
في ختام أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة، التي احتضنتها العاصمة موسكو يومي 28 و29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعلنت روسيا والدول الأفريقية توافقًا على جملة من التوجهات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي ترسم ملامح المرحلة المقبلة من علاقاتهما، وتؤسس لشراكة أوسع تمتد حتى عام 2029، في ظل تحولات دولية متسارعة ومساعٍ متنامية لإعادة صياغة موازين التعاون والنفوذ في النظام العالمي.

وحمل الإعلان الختامي للقمة رسائل تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، مع تأكيد الجانبين توحيد جهودهما لاستعادة الاحترام العالمي للقانون الدولي وتعزيز دوره أساسًا للعلاقات بين الدول، إلى جانب تطوير آليات التعاون المالي والتجاري، وتوسيع الشراكة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتعزيز التنسيق في الملفات الأمنية والصحية والاقتصادية.
وأكد الإعلان المشترك ضرورة احترام قواعد القانون الدولي، والتصدي لمحاولات تسييس التعاون القانوني الدولي أو توظيف آليات العدالة الجنائية والمؤسسات القضائية الدولية لممارسة ضغوط سياسية على الدول الأفريقية، في موقف يعكس تمسك الطرفين بمبدأ السيادة الوطنية ورفض أشكال الهيمنة والتدخل الخارجي.
من المصالح الاقتصادية إلى استقلال القرار المالي

اقتصاديًا، عكست مخرجات القمة توجهًا نحو الانتقال بالعلاقات الروسية الأفريقية إلى مستوى أكثر مؤسسية واستدامة، عبر تطوير التعاون المالي وإيجاد آليات موثوقة ومستقرة للمدفوعات والتسويات، بما يعزز قدرة الجانبين على توسيع المبادلات التجارية وتقليل العقبات التي تواجه التعاملات الاقتصادية بينهما.
كما شددت موسكو والدول الأفريقية على مواصلة التعاون في مجالات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي، على قاعدة المساواة والمنفعة المتبادلة.
وفي ملف الأمن الغذائي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن الإمدادات الروسية من الحبوب والأسمدة تصل إلى أكثر من 40 دولة أفريقية، مؤكدًا أهمية استمرار التعاون في هذا القطاع الحيوي.
أفريقيا شريك في صياغة النظام الدولي

وشملت التفاهمات دعم إصلاح منظمة التجارة العالمية، والعمل من أجل نظام تجاري متعدد الأطراف يتسم بالانفتاح والشفافية وعدم التمييز، مع الحفاظ على الدور المحوري للمنظمة.
كما تضمنت خطة العمل تطوير التعاون في مجال حماية سيادة الأنظمة الانتخابية وتبادل الخبرات، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بمكافحة الإرهاب والتصدي للأنشطة البحرية غير القانونية.
وفي الشأن الأفريقي، أكد الإعلان ضرورة مواصلة الجهود الرامية إلى تسوية النزاعات ومنع اندلاعها، استنادًا إلى مبدأ «حلول أفريقية للمشكلات الأفريقية»، بما يعزز دور الدول الأفريقية في تحديد مسارات معالجة أزماتها.
خطة حتى 2029.. والاختبار في التنفيذ
وامتدت التفاهمات إلى التعاون الصحي وتعزيز الجاهزية لمواجهة الأوبئة والجوائح، إلى جانب رفض محاولات إعادة كتابة التاريخ أو تزويره وفرض روايات تاريخية دخيلة.
وتكتسب القمة أهميتها من اعتماد موسكو والدول الأفريقية خطة عمل تمتد حتى عام 2029، تضع إطارًا لتطوير التعاون في مجالات الاقتصاد والمال والتكنولوجيا والأمن والصحة والتجارة.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه المخرجات ستظل مرتبطة بقدرة الطرفين على تحويل الإعلان السياسي إلى مشروعات ملموسة، وشراكات استثمارية منتجة، وتبادل تكنولوجي حقيقي، وفرص تنموية تنعكس على حياة الشعوب الأفريقية.
فأفريقيا، بما تمتلكه من ثروات طبيعية وموارد بشرية وموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، لم تعد مجرد ساحة للتنافس الدولي، بل أصبحت طرفًا يسعى إلى تنويع شراكاته وتعزيز حضوره في المؤسسات الدولية وتوسيع استقلال قراره الاقتصادي والسياسي.
ومن هنا، فإن مخرجات قمة موسكو لا تُقرأ فقط من زاوية ما تريده روسيا من أفريقيا، بل أيضًا من زاوية ما تسعى إليه الدول الأفريقية من علاقاتها الدولية: شراكات قائمة على المصالح المتبادلة، واحترام السيادة، وتوسيع هامش الاستقلال في القرار الاقتصادي والسياسي.
إن الرسالة الأبرز في ختام القمة أن مستقبل العلاقات الروسية الأفريقية يتجه نحو شراكة متعددة المسارات، يتجاوز طموحها تبادل السلع والمواقف الدبلوماسية إلى بناء مصالح استراتيجية مشتركة، فيما سيبقى معيار نجاحها الحقيقي هو ما ستنجزه على الأرض، وما ستضيفه إلى قدرة أفريقيا على امتلاك أدوات التنمية والتأثير في عالم تتعدد فيه مراكز القوة والنفوذ.





