موسكو

في مشهد تتجلى فيه قوة الثقافة بوصفها جسرًا للتواصل الإنساني، ومساحةً تلتقي عندها ذاكرة الشعوب وإرثها الحضاري، كرّمت روسيا الباحث والناشط ألكسندر فيودوروفيتش بيردنيكوف، بمنحه الميدالية الذهبية التي تحمل اسم الفنان الروسي الكبير ورسام الأيقونات نيكولاي إيفانوفيتش كريلوف (1850–1900)، تقديرًا لإسهاماته البارزة في التعريف بالتراث الثقافي الفلسطيني وصونه، وتعزيز أواصر الصداقة والتفاهم بين الشعوب.

وجاء التكريم بقرار من لجنة الجوائز التابعة للجنة الثقافة في الجمعية الإقليمية للصداقة والتعاون بين شعبي تشوفاشيا وفلسطين، خلال مراسم رسمية شهدت الإعلان عن منح بيردنيكوف هذه الميدالية الرفيعة، اعترافًا بمسيرته الممتدة في خدمة الثقافة، وإسهاماته في تطوير الدبلوماسية الشعبية، وتعزيز الحوار الثقافي والإنساني، إلى جانب نشاطه العام والمؤسساتي.

ويستند هذا الاستحقاق إلى مسيرة ثقافية وبحثية أسهمت في إبراز الحضور الفلسطيني في المشهد المعرفي والفني، وفي مقدمتها العمل العلمي الذي أنجزه بيردنيكوف بالاشتراك مع إ. أ. سيرديوك، تحت عنوان «الفن المعاصر للشعب العربي الفلسطيني»، الذي صدرت طبعته الأولى عام 1982، وأعقبتها طبعة موسعة عام 1986.

ويمثل هذا المؤلَّف محطة مهمة في توثيق الفن الفلسطيني ضمن الأدبيات السوفيتية المتخصصة بتاريخ الفن، إذ تناول الصلة العميقة بين الإبداع الفني والهوية الوطنية الفلسطينية، كاشفًا كيف تتحول الفنون إلى سجل حيّ للذاكرة والانتماء والتاريخ. وقد ضم الكتاب 143 صورة توضيحية، بما عزز قيمته التوثيقية والبحثية، وأكسبه مكانة مرجعية جعلت نسخه اليوم من المقتنيات النادرة في المكتبات المتخصصة.

وتتجاوز الدلالة الرمزية للجائزة حدود الاحتفاء بإنجاز علمي أو نشاط ثقافي؛ فهي تستحضر امتداد رسالة إنسانية تجمع بين الفن والمعرفة وحوار الحضارات. فالفنان الروسي نيكولاي كريلوف، الذي تحمل الميدالية اسمه، وثّق بريشته مشاهد من الأرض المقدسة، فيما يواصل بيردنيكوف، بأدوات البحث والعمل المتحفي والمبادرات الثقافية والدبلوماسية، الإسهام في إبقاء التراث الفلسطيني حاضرًا في الذاكرة الثقافية، وتعريف الأجيال والشعوب بثراء مكوناته وعمق جذوره.

وفي هذا السياق، تبدو الجائزة تكريمًا لمسيرة جعلت من الثقافة مساحة للتلاقي، ومن المعرفة وسيلة لحماية الذاكرة، ومن التراث لغة تتجاوز اختلاف الجغرافيا والهويات. كما تعكس أهمية المبادرات الثقافية العابرة للحدود في بناء جسور الصداقة، وترسيخ الاحترام المتبادل، وإبقاء القضايا الإنسانية حاضرة في وجدان الشعوب.

إنها رسالة تتجاوز بريق الميدالية الذهبية؛ رسالة تؤكد أن ما تحفظه الثقافة من ذاكرة الشعوب لا تحدّه الحدود، وأن الفن والمعرفة يظلان من أعمق الجسور التي تصل الإنسان بأخيه الإنسان.